في خطوة تؤرخ لتحول رقمي بارز، أطلقت مجلة إيبلا (IBLA)، أقدم دورية علمية في تونس متخصصة في العلوم الإنسانية والاجتماعية، منصتها الإلكترونية رسميًا يوم 20 مارس 2025. ويأتي هذا التطور بعد نحو 88 عامًا من النشر الورقي المنتظم، لتدخل المجلة بذلك مرحلة جديدة من تاريخها العريق.
وقالت مديرة المجلة، رجاء بن سلامة، إن “إيبلا، بثقلها التاريخي، تنفتح اليوم على الفضاء الرقمي لتتيح الوصول المفتوح إلى أرشيفها العلمي.”
أول منصة رقمية أكاديمية من نوعها في تونس
ووفق القائمين على المشروع، فإن هذه المبادرة تمثل أول تجربة تونسية جادة لإطلاق منصة علمية إلكترونية متكاملة لدورية أكاديمية. ويجري حاليًا أرشفة الأعداد السابقة تدريجيًا لتكون متاحة للباحثين والقراء مجانًا، مما يسهم في دعم البحث العلمي والثقافة في تونس والمنطقة المغاربية.
تم إطلاق هذا المشروع عام 2024، ويشمل رقمنة العمليات الإدارية والنشر الإلكتروني وتوفير محتوى معرفي على الإنترنت، إضافة إلى السعي لربط المجلة بمنصات علمية دولية مثل Cairn، التي تضم آلاف الدوريات والكتب المتخصصة في العلوم الاجتماعية والإنسانية باللغة الفرنسية.
مجلة متعددة اللغات والآفاق
تتميز مجلة إيبلا بنشرها لمقالات علمية بثلاث لغات: العربية، الفرنسية، والإنجليزية، مع تركيز خاص على الدراسات المتعلقة بتونس والمنطقة المغاربية. ومع ذلك، فإن المجلة لا تغلق أبوابها أمام قضايا إنسانية أخرى في فضاءات جغرافية وثقافية متنوعة.
تعود بدايات المجلة إلى الفترة الاستعمارية حين نشأت في أحضان “الآباء البيض” في شمال إفريقيا، قبل أن تتحول إلى مرجعية علمية وطنية يديرها فريق من الأكاديميين والمثقفين التونسيين.
جذور تاريخية تمتد إلى ما قبل 1937
قبل أن ترى المجلة النور رسميًا عام 1937، كانت منشوراتها قد بدأت منذ عام 1928 في شكل كراسات تحمل عناوين مثل “الدفاتر التونسية” و”الوثائق التونسية”، مستندة إلى محاضرات ومواد من “حلقة الصداقات التونسية” التي أسسها الأب أندريه ديميرسمان (1901-1993). وقد تناولت تلك الإصدارات الأولى الحكايات والأمثال والأشعار واللغة الشعبية، وساهمت في حفظ ملامح اللهجة التونسية من خلال سلسلة “البلاد”.
مع تأسيس معهد الآداب العربية الجميلة رسميًا في 1931، بدأ التوجه الأكاديمي يأخذ شكله، وأُطلقت المجلة سنة 1937 في شكل نشرة من 56 صفحة توازن بين دراسة اللغة العربية الفصحى واللهجات المحلية، حيث تناولت الفصحى في سياق الدراسات الإسلامية، في حين خُصصت اللهجة لدراسة التراث الشعبي.
وفي 1942، بدأت المجلة تُطبع وتوزع على نطاق أوسع، وبدأت تركز على الأبحاث العلمية والببليوغرافية. ومنذ الستينيات، تحوّلت إيبلا إلى مرجع أساسي في مجالات مثل اللسانيات، السوسيولوجيا، الإثنولوجيا، الفلسفة، التاريخ، الاقتصاد، الزراعة، الصحة، وغيرها.
شخصيات بارزة طبعت مسيرتها
يعود الفضل في استمرار المجلة وتطورها إلى مؤسسها الأب ديميرسمان، الذي أشرف عليها لأربعة عقود، إلى جانب شخصيات بارزة مثل الأب أندريه لوي (1912-1978)، الذي نشر أكثر من خمسين مقالًا، والمفكر جان فونتين (1936-2021) الذي تولى إدارة المعهد من 1977 إلى 1999، وترك خلفه إرثًا غنيًا من الأبحاث حول الأدب التونسي والعربي الحديث.
وفي عام 1977، تم تشكيل لجنة تحرير تونسية لتواصل المجلة مسيرتها بأيدٍ وطنية. واليوم، تواصل إيبلا، وهي على أعتاب تسعة عقود من العطاء، ترسيخ مكانتها كمنبر أكاديمي رصين يخدم الباحثين والمثقفين من مختلف الاختصاصات.