قال مسؤولون أمريكيون وإيرانيون إن واشنطن وطهران توصلتا إلى إطار عمل لإنهاء الحرب بين البلدين، ورفع الحصار البحري الأمريكي المفروض على إيران، وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، في اتفاق مبدئي انعكس سريعا على أسعار النفط، لكنه أبقى ملف البرنامج النووي الإيراني مؤجلا إلى مفاوضات لاحقة.
وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عبر منصته “تروث سوشال”، مساء الأحد بالتوقيت المحلي في واشنطن، أن “الاتفاق مع جمهورية إيران الإسلامية اكتمل الآن”.
وجاء تصريح ترامب بعد وقت قصير من إعلان رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، الذي لعبت بلاده دور الوسيط، التوصل إلى اتفاق بين الطرفين. ومن المنتظر أن يتم توقيع مذكرة التفاهم رسميا يوم الجمعة في سويسرا، رغم أن تفاصيل بنودها لم تعلن بالكامل حتى الآن.
وقال شريف في منشور على منصة إكس إن الاتفاق ينص على “الإنهاء الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان”.
ويعد الملف اللبناني إحدى أكثر النقاط حساسية في المفاوضات، في ظل استمرار تبادل الهجمات بين إسرائيل وحزب الله خلال الأسابيع الأخيرة، رغم دعوات ترامب وأطراف دولية أخرى إلى وقف التصعيد.
وأعلنت أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، في بيان، أن الحرب والعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، ستتوقف بشكل دائم اعتبارا من ليل الاثنين.
في المقابل، لم يصدر تعليق رسمي من إسرائيل، التي تؤكد أنها ليست طرفا في المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران.
فتح مضيق هرمز وتراجع أسعار النفط
قال ترامب إن مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لإمدادات الطاقة في العالم، سيعاد فتحه يوم الجمعة، بعد أن كانت إيران قد أغلقته فعليا منذ أشهر. كما أعلن أنه أمر بإنهاء الحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية.
وكتب ترامب: “يا سفن العالم، شغّلوا محركاتكم. دعوا النفط يتدفق!”.
وعقب الإعلان عن الاتفاق، تراجعت أسعار النفط في التعاملات المبكرة اليوم الاثنين، إذ انخفضت العقود الآجلة لخام برنت بنحو أربعة بالمئة، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بأكثر من 4.6 بالمئة.
وقال ماثيو ميلر، المتحدث السابق باسم وزارة الخارجية في إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، إن ترامب قدم تنازلات كبيرة لإيران من أجل العودة إلى الوضع الذي كان قائما قبل الحرب.
وأضاف: “ليست لدينا أي ضمانات بتسوية البرنامج النووي يوما ما، لكن إيران أظهرت للعالم أنها تستطيع احتجاز الاقتصاد العالمي رهينة والحصول على شيء من الولايات المتحدة في المقابل”.
الملف النووي مؤجل إلى مفاوضات جديدة
قال نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي إن اتفاقا أوسع سيتم التفاوض بشأنه خلال فترة وقف إطلاق نار تمتد 60 يوما، على أن يشمل ذلك تخفيف العقوبات.
وكانت مصادر قد أفادت بأن مستقبل البرنامج النووي الإيراني سيكون من الملفات الرئيسية في المباحثات اللاحقة.
ومنذ بدء الحرب في 28 فبراير، بعد أول هجوم أمريكي إسرائيلي على إيران، قتل الآلاف، معظمهم في إيران ولبنان. وردت طهران بقصف إسرائيل ودول خليجية تستضيف قواعد أمريكية، كما فرضت عمليا حصارا على مضيق هرمز، ما تسبب في ارتفاع أسعار الطاقة عالميا. وفي المقابل، فرضت القوات الأمريكية حصارا على الموانئ الإيرانية.
وتحولت الحرب إلى عبء سياسي داخلي على ترامب والجمهوريين في الكونجرس، مع تصاعد غضب الناخبين من ارتفاع أسعار البنزين قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر. وفي الوقت نفسه، يواجه ترامب ضغوطا من داخل حزبه للمضي نحو إنهاء البرنامج النووي الإيراني بالكامل.
ورحب السناتور الجمهوري لينزي غراهام، المعروف بموقفه المتشدد تجاه إيران، بالاتفاق، لكنه أكد أنه سيواصل متابعة المحادثات المقبلة بشأن الملف النووي.
وقال غراهام: “ينص قانوننا على إحالة أي اتفاق نووي مع إيران إلى الكونجرس لمراجعته والتصويت عليه… تهانينا للجميع على الوصول بنا إلى هذه المرحلة”.
وكان ترامب قد انسحب خلال ولايته الأولى من الاتفاق النووي المبرم عام 2015 بين إيران والقوى الكبرى، والذي تم التوصل إليه في عهد الرئيس الديمقراطي الأسبق باراك أوباما، ونص على رفع العقوبات مقابل فرض قيود على البرنامج النووي الإيراني، بينها عمليات تفتيش دولية.
وردت إيران آنذاك بتسريع تخصيب اليورانيوم، حتى وصل إنتاجها إلى أكثر من 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بدرجة نقاء قريبة من المستوى اللازم لصنع سلاح نووي. ومن المتوقع أن يكون مصير هذا المخزون إحدى أبرز نقاط التفاوض في المرحلة المقبلة.
خلاف مع إسرائيل وترحيب أوروبي حذر
تم التوصل إلى الاتفاق رغم الهجوم الإسرائيلي على لبنان أمس الأحد، وهو ما أثار انتقادات من إيران وترامب على حد سواء.
ودخل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في خلاف مع ترامب بسبب مطالبة واشنطن لإسرائيل بتقليص عملياتها العسكرية في لبنان، بهدف إفساح المجال أمام التوصل إلى تفاهم مع طهران.
وتؤكد إسرائيل أنها ستحتفظ بحرية التحرك العسكري في لبنان، بينما جعلت إيران وقف إطلاق النار الكامل هناك شرطا أساسيا ضمن مطالبها.
وذكرت القناة 12 الإسرائيلية، نقلا عن مسؤول كبير، أن ترامب أطلع نتنياهو على التقدم المحرز نحو اتفاق سلام خلال اتصال هاتفي يوم الأحد.
وفي مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز، وصف ترامب نتنياهو بأنه “رجل صعب للغاية”، وطالبه بشكره لأنه أنقذ إسرائيل من إيران المسلحة نوويا.
وحظي الإعلان بترحيب من قادة خارج منطقة الشرق الأوسط، الذين تابعوا تطورات الصراع بحذر خلال الفترة الماضية.
وفي بيان مشترك، قالت بريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا إنها مستعدة لرفع العقوبات عن إيران مقابل اتخاذ طهران “خطوات واضحة وقابلة للتحقق” للحد من برنامجها النووي.
وقال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر: “نحن واضحون في ضرورة عودة حرية الملاحة دون دفع أي رسوم في مضيق هرمز… يجب ألا تمتلك إيران أبدا سلاحا نوويا.”
وقبل إعلان الاتفاق، قال مسؤول إيراني كبير إن الولايات المتحدة ستوافق، بموجب مسودة التفاهم، على الإفراج عن أصول إيرانية مجمدة بقيمة 25 مليار دولار.
وكانت إدارة ترامب قد أكدت في وقت سابق أن الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة لن يتم إلا بعد التزام إيران بشروط محددة ضمن اتفاق السلام.
وقال مسؤول أمريكي، قبل الإعلان الرسمي، إن الاتفاق سيقود في نهاية المطاف إلى تفكيك البرنامج النووي الإيراني، مع تدمير مخزون اليورانيوم عالي التخصيب أو إخراجه من البلاد.
لكن المسؤول الإيراني الكبير أكد أن مسودة الاتفاق ستسمح لإيران، التي تنفي سعيها إلى امتلاك سلاح نووي، بتخفيف اليورانيوم المخصب داخل أراضيها.






