تواجه أوروبا الغربية موجة حر جديدة هذا الأسبوع، في وقت تتزايد فيه مؤشرات تأثير الاحتباس الحراري، رغم أن ملف التغير المناخي لا يبدو حاليا في صدارة أولويات عدد من الحكومات.
ويتوقع خبراء الأرصاد الجوية مزيدا من الارتفاع في درجات الحرارة خلال الأيام المقبلة. فقد سجلت فرنسا بالفعل أحد أكثر أيامها حرارة، بعدما بلغت درجات الحرارة 44.3 درجة مئوية، فيما ينتظر أن تصل الحرارة هذا الأسبوع إلى 43 درجة في بعض المناطق الفرنسية.
كما قد ترتفع درجات الحرارة في أجزاء من بريطانيا وألمانيا وإيطاليا إلى حدود 40 درجة، بينما قد تصل في إسبانيا إلى 45 درجة.
وفي بلجيكا، حيث يتوقع أن تبلغ الحرارة 37 درجة، قال خبراء الأرصاد إن البلاد قد تشهد أكثر أسابيعها حرارة منذ بدء تسجيل البيانات المناخية.
ولا تقتصر المخاوف على ساعات النهار فقط، إذ ستكون الليالي بدورها شديدة الحرارة، مع توقع ألا تنخفض درجات الحرارة في مناطق واسعة من أوروبا الغربية عن 25 درجة مع نهاية الأسبوع.
ويزيد غياب البرودة خلال الليل من حدة ما يعرف بالإجهاد الحراري، الذي قد يتسبب في أمراض خطيرة وقد يؤدي إلى الوفاة، خصوصا لدى الفئات الهشة مثل كبار السن والمرضى.
ثلاثة أسباب رئيسية وراء موجة الحر
وبحسب تقرير نشرته “بوليتيكو”، تعود موجة الحر الحالية إلى ثلاثة عوامل رئيسية، أولها الوقود الأحفوري. فمنذ بدأ الإنسان استخدام الفحم والنفط والغاز لتشغيل المصانع والمركبات والمباني، ارتفعت درجات الحرارة العالمية بنحو 1.4 درجة مئوية، نتيجة الانبعاثات الكبيرة لثاني أكسيد الكربون.
كما تعد أوروبا القارة الأسرع احترارا في العالم، بفعل مجموعة من العوامل، أبرزها قربها النسبي من القطب الشمالي، إضافة إلى تغير أنماط الطقس الإقليمية.
غير أن درجات الحرارة الخارجية لا تمثل المشكلة الوحيدة، إذ يشير التقرير إلى أن الأوروبيين يقضون نحو 90 في المائة من وقتهم داخل المباني، مثل المنازل والمتاجر والمكاتب.
وفي أجزاء واسعة من أوروبا، خصوصا في المناطق الشمالية، صممت المباني أساسا للاحتفاظ بالحرارة داخلها خلال فصل الشتاء، وليس لمواجهة موجات الحر المتزايدة في الصيف.
وحتى اليوم، ما تزال الكثير من المباني الجديدة تشيد وفق منطق درجات الحرارة الشتوية، أكثر من تكييفها مع صيف يزداد حرارة عاما بعد آخر.
نقص التكييف يزيد الأزمة
تؤكد “بوليتيكو” أن واحدا فقط من كل خمسة منازل في القارة الأوروبية يتوفر على نظام تكييف. كما أن عددا من المكاتب والمدارس والقطارات ووسائل النقل العمومي في مدن أوروبية كثيرة لا يملك أنظمة تبريد كافية.
وفي بلجيكا، على سبيل المثال، لا يتوفر خمس القطارات على تكييف، ما اضطر السلطات إلى إلغاء بعض الرحلات خلال ساعات الذروة بسبب ارتفاع درجات الحرارة.
تراجع الاهتمام بسياسات المناخ
ويرتبط السبب الثالث، بحسب التقرير، بتراجع أولوية السياسات المناخية لدى بعض الحكومات الأوروبية، التي ركزت خلال السنوات الأخيرة على إنعاش الصناعة، وخففت بعض الإجراءات البيئية عندما رأت أنها تعرقل الطموحات الاقتصادية.
وتشير المعطيات إلى أن انبعاثات الاتحاد الأوروبي ارتفعت قليلا في عام 2025، ما يعني أن جهود خفض التلوث شهدت تباطؤا في الفترة الحالية.
وتأتي موجة الحر الجديدة لتعيد طرح أسئلة ملحة حول استعداد أوروبا للتعامل مع صيف أكثر سخونة، وحول قدرة البنى التحتية والسياسات العامة على حماية السكان من المخاطر الصحية والمناخية المتصاعدة.






