لم يعد أداء فريضة الحج، الركن الخامس من أركان الإسلام، في متناول كثير من الراغبين فيه من الناحية المالية، إذ تواصل كلفته الارتفاع رغم المحاولات المبذولة لتقليصها، في ظل قيود خارجة عن الإرادة تزيد الوضع تعقيدا.
ويعود جزء كبير من هذا الارتفاع إلى أسعار الإقامة في البلد المضيف، التي تزيد مع أعمال التجديد والتحديث الرامية إلى توفير راحة أكبر للزوار. وكلفة هذه الأعمال تُحتسب على الحاج فتنعكس مباشرة على سعر الإقامة في موسم الحج، خلافا لموسم العمرة حيث تُعرض نسبة كبيرة من هذه المحلات بأسعار مخفضة في متناول الجميع.
الحج لمن يستطيع
يُذكَّر بأن الحج لا يُعد «واجبا» إلا على من يملك القدرة عليه، لكن حتى مع تقليص النفقات إلى أدنى حد، فإن توفير ما بين 25 و30 ألف دينار ليس في متناول الجميع.
ومن هنا جاء الإقبال على العمرة، التي لا تحل محل الحج ولا تغني عنه، لكنها تتيح لمن يؤديها أن يحقق، ولو جزئيا، أحد أحلامه الأغلى: زيارة الأراضي المقدسة مرة واحدة على الأقل.
وتشهد العمرة حاليا موسمها الأكثر ازدحاما، وسط تساؤلات عما إذا كانت الجهات المعنية قد وضعت حدا لأولئك الذين جرى التنديد بهم في مثل هذا الوقت من العام الماضي، وهم وكالات مصنفة تلاعبت بأعصاب حرفائها.
تحسن ملحوظ في التنظيم
وتفيد الشهادات التي جُمعت بأن الأمور أصبحت أكثر جدية على كل المستويات، بدءا من الإعلانات الممولة على شبكة الإنترنت، إذ لم تعد تظهر إعلانات لأشخاص يقدمون أنفسهم كوكالات ويشكلون مجموعات قبل أن يقودوا أفرادها إلى معاناة حقيقية في عين المكان، بلا وسيلة نقل ولا إقامة بالمستوى الموعود، ما يخلف أزمات عصبية يخرج منها المعتمر منهكا وفاقدا للثقة.
ويبدو أن المعتمرين أنفسهم صاروا أكثر حذرا، إذ تحرص عائلاتهم على التحقق من نشاط الوكالات وطلب ضمانات قبل الالتزام، كما أن الجهات المسؤولة قامت بعمل جيد في التأطير أدى تلقائيا إلى تنظيم أفضل.
ويقول مواطن أنهى للتو مناسك العمرة: «عدت أمس وليس لدي ما أشكو منه. كان كل شيء منظما بشكل جيد، والطاقم المشرف كان في المستوى وكل شيء سار على أحسن وجه».
وكان أحد المرشحين للعمرة واضحا قبل انطلاق الرحلة: «المسؤولة عن مجموعة وكالة من سوسة، ولنسمها ضحى، اتصلت بي كل يوم خلال الأسبوع الذي سبق السفر لتتأكد من أنني اشتريت طابع النقل، وهل اتخذت الاحتياط اللازم لإجراء عملية الصرف، وهل تجنبت المواد الغذائية السائلة لتجنب مشاكل في الأمتعة، وسألت عن الوزن وشدّدت على وقت الحضور إلى المطار…».
وتابع: «هذه الالتفاتات تعزز الثقة. وفي عين المكان رأيناها في الصفوف الأولى في كل مكان، عند إنزال الأمتعة والصعود إلى حافلات جديدة فسيحة ومكيفة، وعند مدخل مطاري المغادرة والعودة، وعند شراء الماء. وقد بقيت حتى الخروج من المطار عند العودة. كان ذلك سلوكا مهنيا يدل على أن التنظيم المُعدّ مسبقا كان فعالا. وأعتقد أن الوكالات فهمت هذه السنة أن العمرة أصبحت وسيلة لتعويض الحج الذي بلغت كلفته حدا لا يتحمله الشخص المتوسط، وهذا أمر مهم يجب أخذه في الاعتبار».
الحذر من المبالغة
غير أن هذا المكان الجديد الذي احتلته العمرة لا يجب أن يحولها إلى حقل للخداع. فالأسعار، وهي حاليا منطقية، تبقى في متناول الإمكانيات حسب الصنف المختار، مع وجود بعض المبالغات بشكل حتمي، خصوصا مع اختلاف الأسعار بين وكالتين من أجل نفس أماكن الإقامة.
ومهما يكن من أمر، فإن كل ما هو قابل للمراقبة يمكن تحسينه، لكن العمرة استطاعت فعلا أن تكسب قلوب من لن يتمكنوا يوما من اختيار الحج.





