أقرّ مجلس الوزراء في اجتماعه المنعقد يوم 29 من الشهر الماضي برئاسة رئيس الجمهورية قيس سعيد تعديل المرسوم عدد 54 المتعلق بمكافحة الجرائم المرتبطة بنظم المعلومات والاتصال، وهو تعديل يُسقط عقوبة السجن عن مرتكب جنحة الأخبار الزائفة للمرة الأولى.
وبمقتضى التعديل الذي طال الفصل 24 من المرسوم الصادر في 13 سبتمبر 2022، لم يعد السجن مقرراً في أول مخالفة تتعلق بنشر خبر زائف على الإنترنت، بعد أن كانت العقوبة تصل إلى خمس سنوات سجناً وخطية قدرها 50 ألف دينار، وترتفع إلى عشر سنوات عندما يكون المستهدف موظفاً عمومياً.
ولا يعني ذلك إلغاء المرسوم الذي بقيت مبادئه قائمة، بل إنّ عقوباته خُفّفت بشكل جوهري، في خطوة سبقها رفض واسع وانتقادات صدرت عن توجهات مختلفة وصلت إلى حدّ المطالبة بإلغائه.
ويُفهم من هذا التعديل أن رئيس الجمهورية لا يزال منصتاً إلى مختلف مكونات الشعب، وأنه يتفاعل مع الانتقادات والمطالب ويُبدي مرونة في التعاطي معها على مراحل، مع حرصه على أن تظل قراراته السابقة في هذا الشأن صالحة في جوهرها.
عناصر ثابتة في المرسوم المعدّل
تبقى ثلاثة نقاط محورية قائمة: فالرجوع إلى ارتكاب الجريمة يعيد المتهمين إلى السجن لمدة ستة أشهر مع خطية قدرها 50 ألف دينار، وتظل العقوبات مضاعفة عندما يكون المعني موظفاً عمومياً، فيما لم يمسّ التعديل تعريف الجريمة، وهو إنتاج محتوى زائف ونشره بقصد الإضرار بحقوق الغير أو المساس بسمعة شخص أو بالأمن العام أو بالدفاع الوطني.
ويرى جانب من المتابعين أن الغموض الذي قد يُدخل رأياً أو موقفاً في خانة الإشاعة لا يزال سارياً، وأن خطية مرتفعة تناهز عشرة آلاف دينار تبقى رادعة بالنسبة إلى صحافي مستقل أو ناشط جمعياتي.
ويظل سؤال مطروحاً بشأن ما إذا كانت الأحكام الجديدة للمرسوم المعدّل ستنطبق على الإجراءات الجارية والأحكام الصادرة سابقاً، مع تأكيد رجال قانون أن القضايا التي صدرت فيها أحكام باتّة لا تشملها التغييرات الحاصلة.
وكان نواب مجلس نواب الشعب قد تقدّموا بعدد من مقترحات تعديل المرسوم بتاريخ 20 فيفري 2024، قبل أن يُعاد تحريك الملف في جانفي 2025 ويُجدَّد في جويلية من العام نفسه.
ثلاثة مراسيم أخرى
وبتعديل المرسوم عبر مرسوم رئاسي جديد، حرص رئيس الدولة على أن يأتي التخفيف منه شخصياً، بعد تفكير معمّق، وبما يحقق التوازن اللازم بين الحفاظ على روح الفصل 24 من المرسوم عدد 54 والعقوبات المترتبة عن مخالفته، من دون أن يستجيب لأي انفعال أو عاطفة.
وأصدر رئيس الجمهورية في المناسبة ذاتها ثلاثة مراسيم أخرى نشرها الرائد الرسمي: يتعلق الأول بتيسير الصلح الجزائي وتخصيص موارده، ويرمي الثاني إلى تعديل بعض أحكام القانون الأساسي عدد 2012-23 المؤرخ في 20 ديسمبر 2012 المتعلق بإحداث الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، في حين يخصّ الثالث المجالس البلدية.
وجاءت هذه المراسيم الجديدة في وقتها المناسب لتوضيح أوضاع معينة تلامس الحياة اليومية للشعب التونسي بجميع فئاته، ولتؤكد المتابعة التي يوليها رئيس الدولة لإدارة الشؤون الجارية للبلاد.





